السيد محمد حسين فضل الله

197

من وحي القرآن

لا عهد للكافرين وهكذا يختم اللَّه هذا الفصل الذي حدثنا فيه عن هؤلاء الأقوام الذين قصّ علينا أمرهم ، فقد كانوا قوما ضالّين ، يعبدون الأصنام ويشركون باللَّه غيره ، ويكذبون بكل الحقائق الدينية ، وأرسل اللَّه إليهم رسله بالبينات ، فصمّوا آذانهم عن الاستماع إليهم ، وأغلقوا قلوبهم عن التفكير والإيمان ، لأنهم لا يريدون أن تتغيّر حياتهم الفكرية والعملية عما درجوا عليه من عقائد آبائهم وأجدادهم وتقاليدهم ، وهذا هو السبب في انغلاق القلب عن الحقّ ، لأن توجهات الإنسان وتطلعاته هي التي تفتح قلبه وتغلقه ، في ما جعله اللَّه من أسباب في خلق الإنسان ، وهذا ما أثاره اللَّه في قوله : تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ من حقائق الإيمان كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ برسله وآياته . وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ، لأن الإنسان الذي لا يؤمن باللَّه ، كما ينبغي للإيمان أن يكون ، لا يشعر بما يلزمه بالمواثيق ، فهو لا يعطي ميثاقا لأحد يقيّده في حياته ، وإذا أعطى مثل هذا الميثاق لمصلحة شخصية أو هوى ذاتيّ ، فإنه لا يجد أساسا روحيا للالتزام به ، إذا لم يكن هناك ضغط ماديّ يلزمه بذلك ، فعهد الإيمان بين الإنسان وربّه ، هو الذي يجعل من الإنسان إنسانا ملتزما يحفظ للناس عهودهم . وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ منحرفين عن خط الهدى والإيمان ، وذلك هو شأن الأكثرية التي اتّبعت أهواءها . أما المخلصون الذين وقفوا ضدّ التيّار - تيّار الكفر والشهوات والضلال - فهؤلاء هم الأقليّة التي عرفت الحق فآمنت به ، وعرفت الرسول فصدّقته واتّبعته وسارت معه .